المنجي بوسنينة

261

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

به الفضل إلى غاية أمله ما شئت من علم مسبوك بالسياسة الشرعيّة وعمل يرضي اللّه ورسوله وأهل الشريعة المحمّديّة ، ووقار تخرّ دونه الشّمّ الباذخ ، وكرم نفس وقدم على صراط التثبّت راسخ ، وحسن أخلاق عذبة المذاق تجمّلت به الرئاسة حين عطرتها أنفاسه ؛ إذا خطب أبدع ، وإذا تلا القرآن حنّ إليه كل من يسمع ؛ وإن روى الحديث الشريف ، أيّد القلب الوجيف ، وإن أملى دروس المعقول من بعد ، خلت نفسك في حضرة السيّد والسعد ؛ وإن أملى الفقه والأصول ، أبلغ سامعه غاية المأمول ؛ وإن نظم أو نثر ، أراك كيف نشر الزّهر وقلائد الدّرر ؛ وشعره لطيف ، ونثره جيّد » [ المسامرات ، 2 / 93 ] . لم يزل الشيخ محمد بيرم الثالث في خدمة العلم الشريف إلى أن جاء أجله ، فتوفّي ليلة الأربعاء 27 ربيع الأوّل سنة 1259 ه / 27 أفريل 1843 م ، ولم يحضر الباي جنازته لعذر منعه يومئذ ، وبعث سائر أهل بيته وكبير الوزراء مصطفى صاحب الطابع ، وأعيان رجال الدولة ، ولقد تفنّن الشعراء في مراثيه وتسابقوا في ذكر ما أودع اللّه فيه ، وصلّى عليه ابنه الشيخ محمد بيرم الرابع ، وهو الذي تقدّم عوضه لرئاسة الفتوى والمجلس الشرعي [ الإتحاف ، 4 / 78 ] ، وكتب على قبره إرضاء لجميع الشعراء ما نصّه : . . . « كلّ من عليها فان ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام ، هذا مشهد الفقير إلى ربّه الشيخ محمد بيرم الثالث ، أفتى على مذهب أبي حنيفة بالقطر الإفريقي 30 سنة ، ثمّ لحق بربّه راجيا غفرانه » [ الإتحاف ، 8 / 55 ؛ محفوظ ، 1 / 183 ] . ولقد رثاه عدّة شيوخ من بينهم الشيخ محمود قابادو والشيخ محمد بن سلامة والشيخ محمد الخضار الذي رثاه بقصيدة من الطويل تحوي 24 بيتا [ المسامرات ، 2 / 94 - 96 ] . ولقد أوردت صحيفة الرائد التونسي في عدد 28 ، س 12 ، 13 رجب 1288 ه / 24 سبتمبر 1871 م مرثيّة كان الشيخ محمود قابادو قد قالها في الشيخ محمد بيرم الثالث ، وذلك قصد مقارنتها بقصيدة المفتي الشيخ محمد الخضّار ( 1237 ه / 1851 م ) ، التي قالها في نفس الشخص هو أيضا ، مطلعها : ألا فجع الإسلام وارتجّ جانبه * وضجّت من الخطب المهول جوانبه [ قابادو ، 77 ] ، والمرثية البيرميّة هي قصيدة في رثاء الشيخ الثالث وتهنئة ابنه الشيخ محمد بيرم الرابع بولاية الفتيا خلفا لوالده من بعده . ولقد أفردت هذه القصيدة بالذكر رغم اندراجها في ديوان الشيخ محمود قابادو الذي جمعه الشيخ محمد بن عثمان السنوسي ( 1900 م ) ، لأنّ الرائد التونسي نشرها عند وفاة قابادو كنموذج من شعره المتين رغم السنّ المبكّرة التي قالها فيها ، وقد أوردها محرّر الرّائد التونسي مقارنا إيّاها بقصيدة الشيخ محمد الخضّار في رثاء بيرم الثالث نفسه [ الرائد التونسي ، عدد 28 ، س 12 ، قابادو ، 99 ] ، جاء في المرثيّة : يا أيّها النّاعية دونك درّة * شنّف بها آذان أهل المجمع بيتا يقال لسامعيه تأمّلوا * كم من خبايا في الزّوايا الأربع